لا شمس له سوى الذكريات، ولا أرضَ تحت قدميه غير الحنين.
يُطلُّ من نوافذ الغياب، على موطنٍ كان يومًا يُدعى «الوطن».
تمتصُّ خطواته الأرصفة، كأن الأرض تجهله، كأنها تسأل: «من أنت؟».
يمشي وفي قلبه أنينٌ مُعتَّق، وفي جيبه خريطة ممزَّقة، يشتهي فيها ظلَّ نخلة، أو رائحة خبز أمه، أو صياح جاره الذي كان يؤذيه حبًّا.
كلُّ وجه يمرَّ به، غريبٌ عنه كما هو غريب عن الكوكب، عيناه سفينتان بلا ميناء، وروحه رسائلُ أضاعت طُرُقَ الوصول.
ابن السكون حين يصرخ، وحفيد الأرض حين تنكره، نزح عن دفء الأحضان، فصار بردُ العالم لحافه.
لا يُؤنسه سوى صدى صوته في الأزقَّة، ولا يُرافقه إلا ظلُّه المترنِّح خلفه كمنفيٍّ آخر.
ينام بين جدرانٍ لا تحفظ اسمه، ويستفيق كلَّ صباح ليكتب تاريخه من جديد، على ورقةٍ بيضاء، تمزِّقها الريح.
يمشي بلا جهة، بلا انتظار، كأنَّه جسدٌ يسير، وروحه لاجئة في صدر الغيم.
هو ذلك الغريب قد لا يكون من خرج من وطنه، بل من خرج الوطنُ منه.
صار لغةً لا يفهمها أحد، ولهجةً يتعثَّر بها الزمن، معلقٌ بين سماءٍ لا تعرفه، وأرضٍ لا تعترف به، يحمل وطنه في عيونه كدمعةٍ مؤجلة، ويخفي أهله في صمته كأغنيةٍ محظورة.
يبكي أهله ليس لأنهم رحلوا، بل لأنهم هناك وهو هنا!
يبكي رائحة بيته، وجدرانه التي تعرف كم مرَّ من ليلٍ باكٍ من نوافذها.
إذا ضحك انكسرت الضحكة -من فرط الألم- بين شفتيه ككأسٍ رُمي من شرفة.
وإذا بكى حين يتوضَّأ بالحنين، لم يأتِ أحدٌ ليقول له: «أنا معك».
يا من تراه مارًا، لا تسأله: «من أين أنت؟».
بل قل له: «مرحبًا بكَ كأنك منَّا».
فلعلها الكلمة التي تبني له وطنًا، ولو مؤقتًا في القلب.
هو الغريب!
وكلُّ ما يملكه قصيدة كتبها في صدره، كلُّ بيتٍ فيها وطن. وكلُّ حرفٍ أمٌّ تنتظره على حدود الوقت.
إرسال التعليق