حـوار مع الدكتور : أبو بكر صالح البابكري

حـوار مع الدكتور : أبو بكر صالح البابكري

حـوار مع الدكتور : أبو بكر صالح البابكري

شارك النص

حوار مع الدكتور : أبو بكر صالح البابكري

أعـد الحوار / محمد أحمد حسن فقيه

قضايا الأدب بحـرٌ لا ساحل له وكل يوم توافينا الأخبار والتحقيقات بمذاهب أدبية تظهر وأخرى تندثر ومع الثورة المعلوماتية التي يعيشها العالم أصبح وضع الأدباء الإسلاميين والعرب في وضعٍ لا يحسدون عليه وعن أهمية الأدب ودوره في الحياة في ظل المذاهب المتكاثرة وعن قضايا أخرى متشعبة قد تثير التأييد أو الاختلاف كان لنا هذا اللقاء مع الدكتور / أبو بكر بن صالح البابكري عضو الرابطة والرئيس السابق لفرع الرابطة في اليمن

فإلى نص الحوار:

* الأهمية الإعلامية للمسرح هي التي جعلت باكثير يتحول من ساحة الشعر إلى ساحة المسرح

باكثير والمسرح

 * كانت رسالتكم للدكتوراه عن مسرح الأديب الكبير علي أحمد باكثير ، لماذا المسرح ؟ ولماذا بـاكـثيـر؟

**  الدراسات النقدية في المسرح العربي قليلة، والمتخصصون في ذلك أيضاً قلة، وليس الأمر في الشعر والقصة كذلك، أضف إلى ذلك أن المسرح وسيلة إعلامية خطيرة لتثقيف الجمهور وهي الوسيلة الفنية الوحيدة التي تتصل بالجمهور مباشرة في صالات العرض المسرحي، وليس الغناء كذلك ، لأنه تلحين للشعر الغنائي الذي يتعالى فيه صوت الشاعر على صوت الجمهور، بينما المسرح أدب موضوعي يتوارى فيه الكاتب ويتقدم الفعل ليفعل في جمهور المسرح ما شاء الله أن بفعل من مثاقفة وسلوك يصل أحياناً إلى تحريض الجمهور على الثورة ، وحمل السلاح كما  كان يفعل مسرح ( بريخت ) في ألمانيا.

هذه الأهمية الإعلامية للمسرح هي التي جعلت باكثير يتحول من ساحة الشعر إلى ساحة المسرح ، وخاصة في مطلع الأربعينات من القرن الماضي حين بدأ الحراك السياسي لمقاومة المحتل ، وبدأ الغزو الشيوعي، والتآمر على فلسطين وهذا ما جعلني اختار مسرح باكثير دون غيره لأنه مسرح مقاومة ويقدم رؤية إسلامية في عالم المسرح تدعو إلى مقاومة الظلم والطغيان ، ويفضحهما في الماضي والحاضر ، ويحذر منهما في المستقبل ، ويدعو إلى العدل الإسلامي كما تحقق في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كطريق واضح للمسلمين اليوم الذين شرقوا وغربوا بحثاً عن العدل وهو بين أيديهم يقودهم إلى قيادة العالم بدلاً عن قيادة الآخرين لهم.

وما يميز مسرح باكثير الرؤية الإسلامية الملتزمة التي جعلته رائد المسرح الإسلامي المعاصر ، ثم التنوع الفني الذي – من وجهة نظري – تفوق فيه على توفيق الحكيم ، فباكثير كتب المسرحية الطويلة ( ملحمة عمر ) في تسعة عشر جزءاً ، وثلاثية الحملة الفرنسية ، والتمثيليات القصيرة : المسرحية منها والإذاعية ، وليس للحكيم من ذلك إلا المسرحية العادية التي تتكون من فصلين أو ثلاثة وتقدم في ليلة واحدة ، كذلك كتب باكثير المسرحية الشعرية بأنواعها الثلاث الغنائية و الأوبريت والشعر المرسل ولم يكتب الحكيم في ذلك شيئًا.

 

* لكي يزدهر النص المسرحي أولاً ينبغي أن توجد فرق مسرحية إسلامية ترحب بهذه النصوص بل تتسابق للفوز بها.

 

* ما هي عوائق ازدهار المسرح الإسلامي؟

** لا يكتب الكاتب المسرحي إلا وعينه على خشبة المسرح ، ولكي يزدهر النص المسرحي أولاً ينبغي أن توجد فرق مسرحية إسلامية ترحب بهذه النصوص بل تتسابق للفوز بها ، فالمسرح بناء متكامل يبدأ بالنص المكتوب ليمر بالمخرج المسرحي فالفرقة المسرحية لينتهي بالعرض المسرحي للجمهور ، لذلك يحتاج المسرح الإسلامي لكاتب النص وللمخرج وللفرق المسرحية  والجمهور أيضاً.

وثمة معوقات أخرى تحتاج إلى اجتهاد خاص لفقهاء الإسلام كتمثيل المرأة أو دور المرأة الذي يقوم به الرجل ، لماذا تلقى الجمهور الأفلام الإسلامية كعمر المختار وصلاح الدين والمسلسلات كالرسالة والطريق إلى القدس بالإيجاب رغم حضور المرأة فيها ، لماذا لا يكون الأمر كذلك في المسرح ؟

لماذا التفرقة بين الصحابة؟؟!!، فيسمح بظهور بعضهم في السينما كخالد بن الوليد وأبي عبيدة رضي الله عنهما ويمنع ظهور الخلفاء ؟ هل ثمة دليل شرعي على عدم الجواز ؟ إنها أسئلة تطرح نفسها وتبحث عن إجابة ، وآن الأوان للفقهاء أن يلتفتوا إلى ساحة الفن الإسلامي عمـوماً : مسرح وسينما وتلفاز وأناشيد ورسم وغير ذلك.

*الدراسات النقدية في المسرح العربي قليلة، والمتخصصون في ذلك أيضاً قلة، وليس الأمر في الشعر والقصة كذلك

وظيفة النقد الأدبي

* ما هي الوظيفة التي يؤديها النقـد الأدبي ومتى تكون أحكامه عادلة؟

**  لقد تجاوز النقد الحديث تلك المقولة القديمة القائلة بأن النقد من نقد النقود التي يعرف بها الجيد من الرديء ، فالنقد ابتداءً لا يتعامل إلا مع النصوص الجيدة ووظيفته ليست الحكم على هذه النصوص لأن هذه النصوص الإبداعية تترفع عن استقبال التقييم من خارج بنيتها ، وبمعنى آخر ترفض أي سلطة خارجية لقهرها أو التسلط عليها ، ولذا أدرك الناقد هذه الرغبة الجامحة لدى المبدع فأصبح يتحاور مع النصوص حوار الند للند ، يتفهمها ، يتغلغل في بنيتها ليشق طريقاً إبداعياً آخر في مجال النقد ، ومن ثم أرى وظيفة النقد الأدبي اليوم تتمثل في الإبداع النقدي كما هو الحال في الإبداع الأدبي ، وظيفة النقد هي البحث عن آليات جديدة ، وإجراءات جديدة تضيف شيئاً جديداً في دائرة الإبداع النقدي لم بعد الناقد يرضى بأن يكون عالة على من سبقه من المبدعين والنقاد ومادته في هذا التميز النصوص الإبداعية التي تعطيه من تميزها ما يتميز به في نقده.

 

* وظيفة النقد الأدبي اليوم تتمثل في الإبداع النقدي كما هو الحال في الإبداع الأدبي

*  هل استطاع النقاد العرب والإسلاميين تأسيس نظريات نقدية خاصة ، أو مازلنا نتكئ علي النظريات الغربية في النقد الأدبي؟   

** لا توجد نظريات نقدية خاصة بأقوام أو أجناس بشرية ، وإنما توجد نظريات تنسب لأشخاص أو لمجموعة من النقاد ليسوا بالضرورة من جنس واحد والأدب العربي له نقاده من العصر الجاهلي إلى الآن ولكن للأسف لم نجد ناقداً واحداً ولا مجموعة من النقاد قدموا نظرية نقدية جديدة تضاهي النظريات العالمية وما زال النقد العربي عالة على النقد العالمي لأن الإبداع  العربي هو الآخر عالة على غيره ولا سيما في القصة والمسرح ، وحين نجد إبداعاً عربياً عالمياً ربما نجد نـقـداً عربياً عالمياً ، قد نجد نقاداً مسلمين عرباً وغير عرب لهم شهرتهم العالمية لكن دراساتهم النقدية لم تقم على الأدب العربي وثمة فرق.

أعتقد أن النظريات النقدية تحتاج إلى رافـد فلسفي ، وتغييرات اجتماعية كبرى، ونصوص إبداعية يتعالق فيها البعد الفلسفي مع التحول الاجتماعي وهذا ما لم يتوفر في الأدب العربي المفتقر لهذين البعدين العميقين إن المجتمع العربي تحولاته الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية بطيئة جداً والأدب نتاج ذلك ولكن المستقبل يبشر بتحولات كبرى عربية وإسلامية سيكون لها تأثيرها الكبير على العالم ككل وسيشارك الأدب والنقد في هذا التحول بإذن الله .

* إلى أي مدى نستطيع الإفادة من المناهج النقدية الغربية وفق منهجية الأدب الإسلامي؟

** علينا تـنـزيـل المناهج النقدية الغربية على الأدب العربي فمنها ما يتقبله ومنها ما لا يتقبله ، وأعتقد أن ثمانين بالمائة (80%) منها يتقبله الأدب العربي ولا سيما في الجانب الشكلي ،هذه الأدوات النقدية الجديدة كالآلات الزراعية الحديثة تمكننا من إعادة حرث الأدب العربي قديمه وحديثه لاستثماره من جديد في كشف الرؤى الفنية العميقة التي عجز النقد القديم في الوصول إليها ، وأعتقد أن خطورة المناهج الغربية تكمن في إطارها الفلسفي المنفلت من الضوابط الدينية والخلقية ، ومن عنده رؤية إسلامية واضحة لن يضره هذا الجانب لوضوح الحق لديه والباطل لدى غيره وسيكتفي بنهل ما يفيده في الإجراءات النقدية وكشف العمق في تحليل النصوص وشموليته.

*  هل ترى أن هناك ثغرات لم تسد ومواضيع لم تنل حظها في النثر الأدبي ، في الجانب النقدي أو الإبداعي؟ وما ترون في قصيدة النثر ؟

**  النثر العربي يمكن تطويره والولوج فيه في غير المشهور منه ، والقرآن الكريم رائده ، وإذا كان الغرب عرف المسرح والرواية فالأدب العربي عرف الخطابة والرسائل والمقامة والمفاضلة بين الأشياء ، وغير ذلك من الأساليب التي إذا ما تـم نـبـشـهـا والحرث فيها لأنبتت أساليب نثرية تلائم العصر ، وربما تشرّف الأدب العربي عالمياً. 

وإنه لمن المؤسف أن تنحدر القصيدة الشعرية إلى النثر، ليس هذا تجديداً فيما يسمى قصيدة النثر، النثر أكثر انفلاتاً من الشعر فلماذا لا يكون التجديد في النثر ذاته، وقد قيل قديماً يأتي الشعر حين يعجز النثر.

لماذا لا تكون ساحة النثر هي ميدان الفروسية للجميع المبتدئ والمتقدم ؟! وتبقى ساحة الشعر للعباقرة الكبار الذين تعجز أحياناً اللغة ذاتها عن التعبير عما في خيالهم.

 

* عندما يختار الأديب نصاً تاريخياً، صار هذا النص ملكاً له لا للمؤرخ، كل جزئية تدخل النص الأدبي تصبح مادة جديدة لغاية جديدة

الأدب والتاريخ

* ماذا يضيف الأديب عند تناوله لنص تاريخي ؟ أو ما هي الحدود التي يجب ألا يتعداها؟

** عندما يختار الأديب نصاً تاريخياً ، صار هذا النص ملكاً له لا للمؤرخ ، كل جزئية تدخل النص الأدبي تصبح مادة جديدة لغاية جديدة ، والذي يبحث عن المادة التاريخية يجب عليه أن يبحث عنها في مصادرها التاريخية لا في النصوص الأدبية ومن ثم يجد المبدع نفسه مضطراً – أحياناً – إلى التحريف في المادة التاريخية لسبب بسيط وهو أنه لا يريد أن يقدم نفسه للقارئ كمؤرخ وإنما كمبدع فوق المؤرخ وأقل ما يقال في التحريف إن زمن الأحداث القصصية غير زمن الأحداث التاريخية ،وإنها في العالم القصصي خادمة لرؤية الكاتب وليست كذلك في أصلها التاريخي.

 

* خطورة المناهج الغربية تكمن في إطارها الفلسفي المنفلت من الضوابط الدينية والخلقية

 

*  أي الفنون الأدبية تراها أبلغ تأثيراً وتوجيهاً في ظل القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت ؟

** هذه التقنيات المرئية من قنوات فضائية ومواقع الكترونية ستكون لها الصولة والجولة في المستقبل إنها تحتوى الفنون الأدبية ، لأن فيها من وسائل الإبداع ما يستحق ظهور جيل جديد ممن يتخصص في نقدها لأنها آلية جديدة للوصول إلى جمهور أكبر بتكلفة أقل وربما مجانية كالمواقع الإلكترونية أتوقع أن يعيد المبدعون حساباتهم في مخاطبة جمهورهم المنصرف عنهم إلى هذه التقنيات الحديثة وربما رحلوا إلى هذا الجديد الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تغيير الأذواق الفنية تغييراً كبيراً.

* كثيراً ما يؤخذ على الأدب طغيان الجانب الفكري على حساب الشكل الفني، كيف يمكن للأديب أن يوازن بين الفكر والإبداع؟

** ذلك يعود إلى ضعف الإبداع الناتج عن ضعف العبقرية، لا يريدون أن يتعبوا في الإبداع، فيلتقطون المواضيع السهلة الواضحة ويعرضونها بسرعة بأسهل الطرق التعبيرية.

إن البحث عن الفكرة الجديدة يحتاج إلى تعب والبحث عن الشكل المتميز يحتاج إلى جهد أكبر، وأنصح المبدعين وهم يقرؤون لأشهر المبدعين أن يتأملوا كيف وفقوا في تقديم رؤى جديدة وإنشاء أساليب جديدة فالرؤية الجديدة والشكل الجديد هما جناحا الطيران إلى عالمية الأدب.    

الخطوط العريضة للمقابلة:

* الدراسات النقدية في المسرح العربي قليلة، والمتخصصون في ذلك أيضاً قلة، وليس الأمر في الشعر والقصة كذلك.

* الأهمية الإعلامية للمسرح هي التي جعلت باكثير يتحول من ساحة الشعر إلى ساحة المسرح.

* لكي يزدهر النص المسرحي أولاً ينبغي أن توجد فرق مسرحية إسلامية ترحب بهذه النصوص بل تتسابق للفوز بها.

* النثر العربي يمكن تطويره والولوج فيه في غير المشهور منه.

* ليس هذا تجديداً فيما يسمى قصيدة النثر، النثر أكثر انفلاتاً من الشعر فلماذا لا يكون التجديد في النثر ذاته؟؟!! وقد قيل قديماً يأتي الشعر حين يعجز النثر.

* لماذا لا تبقى ساحة الشعر للعباقرة الكبار الذين تعجز أحياناً اللغة ذاتها عن التعبير عما في خيالهم.

* وظيفة النقد الأدبي اليوم تتمثل في الإبداع النقدي كما هو الحال في الإبداع الأدبي ، وظيفة البحث عن آليات جديدة ، وإجراءات جديدة تضيف شيئاً جديداً في دائرة الإبداع النقدي.

* أن خطورة المناهج الغربية تكمن في إطارها الفلسفي المنفلت من الضوابط الدينية والخلقية.

* عندما يختار الأديب نصاً تاريخياً، صار هذا النص ملكاً له لا للمؤرخ، كل جزئية تدخل النص الأدبي تصبح مادة جديدة لغاية جديدة.

 

سيرة ذاتية

الاسم: د / أبوبكر صالح البابكري

محل وتاريخ الميلاد : مواليد مدينة حبان محافظة شبوة في الجمهورية اليمنية عام 1962م

المؤهلات العلمية:

ليسانس لغة عربية كلية الآداب جامعة صنعاء 1985م

ماجستير جامعة صنعاء 1994م

دكتوراه جامعة عين شمس مصر 1999م

المهنــة: أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة صنعاء

الرئيس السابق لفرع رابطة الأدب الإسلامي العالمية في اليمن.  

الحالة الاجتماعية: متزوج وأب لثلاث بنات وثلاثة ذكور.

من مؤلفاته :

روايات باكثير التاريخية دراسة تحليلية  ( رسالة الماجستير ) صدرت  طبعتها الأولى عن جامعة صنعاء 2006م.

البناء الفني في مسرح  باكثير  ( رسالة الدكتوراه ).

 

نشر الحوار في مجلة الأدب الإسلامي العدد 

لقراءة الحوار من المجلة اضغط هنا

إرسال التعليق